ابن العظم
10
السر المصون ذيل على كشف الظنون
كانت سائدة فيهم وإلا سرنا وراء بعض المستشرقين الذين يزعمون أن وصف العرب بالأميين في القرآن لا ينافي معرفتهم بالقراءة والكتابة وأن الأمي عندهم هو الذي يجهل الشريعة الإلهية وأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن أميا وكأنهم يريدون الوصول إلى تأكيد الفرية القائلة بأن القرآن من انشائه صلّى اللّه عليه وسلّم وليس كلام اللّه ، وأنه صلّى اللّه عليه وسلّم قد تعلّم على يد فلان من الناس . وتحدثنا كتب التاريخ عن وجود حركة فكرية محدودة أنتجت مؤلفات في اللغة والشعر والانساب والأمثال إضافة إلى خبرة بالأنواء والظواهر الطبيعية تبعا لظروف الحياة التي يعيشون مع معرفة محدودة في حقل الطب كما يقول ابن خلدون : « وكان عند العرب من هذا الطب - أي البدائي - شيء كثير ، وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة والنّضر بن الحارث » « 1 » . ويذكر ابن النديم في « الفهرست » أن عبيد بن شريّة الجرهمي وكان ممن أدرك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأدرك زمن معاوية كان له من الكتب كتاب « الأمثال » وكتاب « الملوك وأخبار الماضين » « 2 » . كما يذكر أنه كان رجل بمدينة الحديثة « 3 » يقال له محمد بن الحسين له خزانة كتب لم أر مثلها تحتوي على كتب في النحو واللغة والأدب والكتب القديمة ، فلقيت هذا الرجل دفعات فأنس بي وأخرج اليّ قمطرا كبيرا فيه نحو ثلاثمائة رطل من جلود وصكاك وقراطيس وورق صيني وجلود أدم فيها تعليقات عن العرب وقصائد وشيء من النحو وحكايات ورأيت في جملتها مصحفا بخط خالد بن أبي الهياج صاحب علي ورأيت فيها بخط الإمامين الحسن والحسين ورأيت عنده امانات وعهودا بخط أمير المؤمنين علي عليه السلام وبخط غيره من كتاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 4 » ويضيف ابن النديم « ومن المصنفين الأوائل أيضا صحار بن العباس العبدي وله كتاب « الأمثال » « 5 » . وجاء في خطط الشام لمحمد كردعلي « وكانت الكتب التي ترجمت لأبي هاشم خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي حكيم آل مروان وعالم قريش أول نقل أو تعريب كان في الإسلام . . . ويتابع فيقول : وكان خالد بصيرا بالطب أخذه عن يحيى النحوي وأخذ
--> ( 1 ) ابن خلدون ، م . س ، ص 651 . والحارث بن كلدة طبيب العرب في عصره . مختلف في اسلامه ، له كتاب « محاورة في الطب » مات نحو ( 50 ه / نحو 670 م ) الزركلي الاعلام ، 2 / 157 ؛ والنضر بن الحارث بن رؤساء قريش ، مات كافرا نحو ( 2 ه / نحو 624 م ) الزركلي ، م . ن ، 8 / 33 . ( 2 ) ابن النديم ، الفهرست ، ص 102 ، بروكلمان ، تاريخ الأدب العربي ، 1 / 250 . ( 3 ) الحديثة ، من قرى دمشق . ياقوت ، معجم البلدان ، 2 / 232 . ( 4 ) ابن النديم ، م . ن ، ص ، 9 / 46 . ( 5 ) ابن النديم ، م . ن ، ص ، 102 : وصحار بن عباس أو ( عياش ) العيدي خطيب نسّابه له صحبة توفي نحو ( 40 ه / نحو 660 م ) الزركلي ، م . ن ، 3 / 201 .